محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
290
الآداب الشرعية والمنح المرعية
قال أبو جعفر : فأما ما أشكل من هذا لأن العمر قد فرغ منه فالجواب أن الدعاء معلق بما فيه الصلاح بمشيئة اللّه عز وجل ، وكذا أنسأ اللّه في أجلك ونسأ اللّه أجلك . قال وقيل الدعاء بهذا معناه التوسعة والغنى وروي عن حماد بن سلمة إن مكاتبة المسلمين كانت من فلان إلى فلان ، سلام عليك ، أما بعد فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله . ثم إن الزنادقة أحدثوا هذه المكاتبات أولها أطال اللّه بقاءك . وقال غيره كان يدعي للخلفاء الغابرين أما بعد حفظ اللّه أمير المؤمنين وأمتع به ، وأما بعد أبقى اللّه أمير المؤمنين ورضي اللّه عنه ، وأما بعد أكرم اللّه أمير المؤمنين وحفظه وزعم أن أول من رسم الدعاء معاوية كتب إلى أمير المؤمنين : عافانا اللّه وإياك من السوء . ثم زاد الناس . فمما يكاتب به ما ذكرناه فمن يستحسن أن يكاتب بطول البقاء فإنه لا يأتي بذلك مطلقا ولكن يضمنه بشيء آخر فيكتب أطال اللّه بقاءك في طاعته وسلامته وكفايته ، وأعلى جدك ، وصان قدرك وكان معك ولك حيث لا تكون لنفسك . وكذا يكتب أطال اللّه بقاءك في أسر عيش وأنعم بال ، وخصك منه بالتوفيق بما تحب وترضى وحياك برشده ، وقطع بينك وبين معاصيه بلطفه ، ومنه أطال اللّه بقاءك بما أطال به بقاء المطيعين وأعطاك من العطاء بما أعطى المصلحين . ومنهم من لا يضمنه بشيء إلا أنه يدعو بغير دعاء الكتاب فيقول أطال اللّه بقاءك وأكرم مثواك ، ومنهم من لا يستجيز الدعاء بطول البقاء ويكتب أكرمك اللّه بطاعته ، وتولاك بحفظه وحسن كلاءته ، وأسعدك بمغفرته ، وأيدك بنصره ، وجمع لك خير الدنيا والآخرة برحمته ، وفي مثله : تولاك اللّه من يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، وكان لك من هو بالمؤمنين رؤوف رحيم ، ومثله : أكرمك اللّه وأكرم عن النار وجهك ، وزين بالتقوى عملك ومثله أكرمك اللّه كرامة تكون لك في الدنيا عزا ، وفي الآخرة من النار حرزا . وسئل أبو إسحاق عن معنى " أما بعد " فذكر قول سيبويه : مهما يكن من شيء . قال أبو إسحاق : إذا كان الرجل في حديث وأراد أن يأتي بغيره قال : أما بعد وعلى هذا النحويون ولهذا لم يجيزوا في أول الكلام أما بعد ، وقيل أما بعد . فصل الخطاب الذي أوتيه داود عليه السّلام وأنه أول من تكلم به ، وقيل بل هو علم القضاء ، وقيل أول من تكلم به كعب بن لؤي وهو أول من سمى يوم الجمعة يوم الجمعة وكان يقال له العروبة ، وأجاز الفراء أما بعد بالنصب والتنوين ، وأما بعد بالرفع والتنوين ، وأجاز ابن هشام أما بعد بفتح الدال ، ويقول أما بعد أطال اللّه بقاءك فإني نظرت في كذا وأجود منه : أما بعد فإني نظرت أطال اللّه بقاءك . ولك أن تقول أما بعد فأطال اللّه بقاءك إني ، وفإني ، وإني ، وثم إني ، وأما بعد أطال اللّه بقاءك فإني ، وأما بعد ثم أطال اللّه بقاءك ثم إني وبقاءك مصدر من بقي ، وإن أخذته من أبقى قلت : أبقاك اللّه فإن